فصل: و كتب وهو في السجن يشكر الله على إخراج خصومه كتبه

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مجموع فتاوى ابن تيمية **


 وكتب رحمه الله، وهو في السجن‏:‏

ونحن - ولله الحمد والشكر - في نعم عظيمة، تتزايد كل يوم، ويجدد الله تعالى من نعمه نعمًا أخرى، وخروج الكتب كان من أعظم النعم فإني كنت حريصًا على خروج شيء منها؛ لتقفوا عليه وهم كرهوا خروج ‏[‏الإخنائية‏]‏ فاستعملهم الله في إخراج الجميع؛ وإلزام المنازعين بالوقوف عليه، وبهذا يظهر ما أرسل الله به رسوله من الهدى، ودين الحق، فإن هذه المسائل كانت خفية على أكثر الناس‏.‏

فإذا ظهرت فمن كان قصده الحق هداه الله، ومن كان قصده الباطل قامت عليه حجة الله، واستحق أن يذله الله ويخزيه، وما كتبت شيئا من هذا، ليكتم عن أحد، ولو كان مبغضًا‏.‏ والأوراق التي فيها جواباتكم وصلت، وأنا طيب، وعيناي طيبتان، أطيب ما كانتا‏.‏ ونحن في نعم عظيمة لا تُحصى ولا تُعد‏.‏ والحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه‏.‏ ثم ذكر كلامًا وقال‏:‏ كل ما يقضيه الله تعالى فيه الخير، والرحمة، والحكمة، إن ربي لطيف لما يشاء، إنه هو القوي العزيز العليم الحكيم، ولا يدخل على أحد ضرر إلا من ذنوبه ‏{‏مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 79‏]‏‏.‏

فالعبد عليه أن يشكر الله، ويحمده دائمًا على كل حال‏.‏ ويستغفر من ذنوبه‏.‏ فالشكر يوجب المزيد من النعم، والاستغفار يدفع النقم‏.‏ ولا يقضي الله للمؤمن قضاءً إلا كان خيرًا له‏:‏ إن أصابته سراء شكر، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له‏.‏

 كتاب الشيخ إلى والدته يقول فيه‏:‏

بسم الله الرحمن الرحيم من أحمد بن تيمية إلى الوالدة السعيدة، أقر الله عينيها بنعمه، وأسبغ عليها جزيل كرمه، وجعلها من خيار إمائه وخدمه‏.‏ سلام الله عليكم‏.‏ ورحمة الله وبركاته‏.‏ فإنا نحمد إليكم الله، الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهل، وهو على كل شيء قدير‏.‏

ونسأله أن يصلي على خاتم النبيين، وإمام المتقين، محمد عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا‏.‏ كتابي إليكم عن نعم من الله عظيمة، ومنن كريمة، وآلاء جسيمة نشكر الله عليها، ونسأله المزيد من فضله‏.‏ ونعم الله كلما جاءت في نمو، وازدياد، وأياديه جلت عن التعداد‏.‏ وتعلمون أن مقامنا الساعة في هذه البلاد، إنما هو لأمور ضرورية، متى أهملناها؛ فسد علينا أمر الدين والدنيا‏.‏

ولسنا والله مختارين للبعد عنكم، ولو حملتنا الطيور؛ لسرنا إليكم‏.‏ ولكن الغائب عذره معه، وأنتم لو اطلعتم على باطن الأمور فإنكم - ولله الحمد - ما تختارون الساعة إلا ذلك، ولم نعزم على المقام، والاستيطان شهرًا واحدًا، بل كل يوم نستخير الله لنا ولكم‏.‏ وادعوا لنا بالخيرة فنسأل الله العظيم أن يخير لنا ولكم وللمسلمين، ما فيه الخيرة، في خير وعافية‏.‏

ومع هذا فقد فتح الله من أبواب الخير، والرحمة والهداية، والبركة ما لم يكن يخطر بالبال، ولا يدور في الخيال، ونحن في كل وقت مهمومون بالسفر، مستخيرون الله سبحانه وتعالى‏.‏ فلا يظن الظان أنا نؤثر على قربكم شيئًا من أمور الدنيا قط‏.‏ بل ولا نؤثر من أمور الدين ما يكون قربكم أرجح منه‏.‏ ولكن ثم أمور كبار، نخاف الضرر الخاص والعام من إهمالها‏.‏ والشاهد يرى ما لا يرى الغائب‏.‏

والمطلوب كثرة الدعاء بالخيرة فإن الله يعلم ولا نعلم ويقدر ولا نقدر وهو علام الغيوب‏.‏ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏من سعادة ابن آدم استخارته الله ورضاه بما يقسم الله له ومن شقاوة ابن آدم‏:‏ ترك استخارته الله وسخطه بما يقسم الله له‏)‏‏.‏

والتاجر يكون مسافرًا؛ فيخاف ضياع بعض ماله، فيحتاج أن يقيم؛ حتى يستوفيه، وما نحن فيه أمر يجل عن الوصف ولا حول ولا قوة إلا بالله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، كثيرًا كثيرًا، وعلى سائر من في البيت، من الكبار، والصغار، وسائر الجيران، والأهل والأصحاب واحدًا واحدًا، والحمد لله رب العالمين‏.‏ وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا‏.‏

وقال الشيخ بعد حمد الله تعالى، والصلاة على نبيه، صلى الله عليه وسلم‏.‏ أما بعد‏.‏ فإن الله - وله الحمد - قد أنعم على من نعمه العظيمة، ومننه الجسيمة، وآلائه الكريمة، ما هو مستوجب لعظيم الشكر، والثبات على الطاعة، واعتياد حسن الصبر على فعل المأمور‏.‏

والعبد مأمور بالصبر في السراء، أعظم من الصبر في الضراء قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 9‏]‏، ‏{‏وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاء بَعْدَ ضَرَّاء مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 10‏]‏، ‏{‏إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُوْلَـئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 11‏]‏‏.‏

وتعلمون أن الله سبحانه من في هذه القضية من المنن التي فيها من أسباب نصر دينه‏.‏ وعلو كلمته ونصر جنده وعزة أوليائه وقوة أهل السنة والجماعة وذل أهل البدعة والفرقة‏.‏ وتقرير ما قرر عندكم من السنة، وزيادات على ذلك بانفتاح أبواب من الهدى، والنصر، والدلائل، وظهور الحق لأمم، لا يُحصي عددهم إلا الله تعالى، وإقبال الخلائق إلى سبيل السنة والجماعة، وغير ذلك من المنن، ما لا بد معه من عظيم الشكر، ومن الصبر وإن كان صبرًا في سراء‏.‏ وتعلمون أن من القواعد العظيمة، التي هي من جماع الدين‏:‏ تأليف القلوب واجتماع الكلمة وصلاح ذات البين فإن الله تعالى يقول‏:‏ ‏{‏فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 1‏]‏ ويقول‏:‏ ‏{‏وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 103‏]‏ ويقول‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 105‏]‏‏.‏

وأمثال ذلك من النصوص التي تأمر بالجماعة والائتلاف، وتنهى عن الفرقة والاختلاف‏.‏ وأهل هذا الأصل‏:‏ هم أهل الجماعة كما أن الخارجين عنه هم أهل الفرقة‏.‏ وجماع السنة‏:‏ طاعة الرسول‏.‏ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح، الذي رواه مسلم في صحيحه، عن أبي هريرة‏:‏ ‏(‏إن الله يرضى لكم ثلاثًا‏:‏ أن تعبدوه، ولا تُشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا، ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أموركم‏)‏‏.‏

وفي السنن من حديث زيد بن ثابت، وابن مسعود - فَقِيهَيْ الصحابة - عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏نضر الله امرأً، سمع منا حديثًا فبلغه، إلى من لم يسمعه، فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه‏.‏ ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم‏:‏ إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر‏.‏ ولزوم جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط من وراءهم‏)‏‏.‏ وقوله ‏[‏لا يغل‏]‏ أي لا يحقد عليهن‏.‏ فلا يبغض هذه الخصال قلب المسلم بل يحبهن ويرضاهن‏.‏ وأول ما أبدأ به من هذا الأصل‏:‏ ما يتعلق بي فتعلمون - رضي الله عنكم - أني لا أحب أن يؤذى أحد من عموم المسلمين - فضلًا عن أصحابنا - بشيء أصلًا لا باطنًا ولا ظاهرًا ولا عندي عتب على أحد منهم‏.‏ ولا لوم أصلًا، بل لهم عندي من الكرامة، والإجلال، والمحبة، والتعظيم، أضعاف أضعاف ما كان كل بحسبه، ولا يخلو الرجل‏.‏ إما أن يكون مجتهدًا مصيبًا، أو مخطئًا، أو مذنبًا‏.‏ فالأول‏:‏ مأجور مشكور‏.‏ والثاني مع أجره على الاجتهاد‏:‏ فمعفو عنه مغفور له‏.‏ والثالث‏:‏ فالله يغفر لنا، وله ولسائر المؤمنين‏.‏ فنطوي بساط الكلام المخالف لهذا، الأصل‏.‏ كقول القائل‏:‏ فلان قصر، فلان ما عمل، فلان أوذي، الشيخ بسببه فلان كان سبب هذه القضية، فلان كان يتكلم في كيد فلان‏.‏ ونحو هذه الكلمات التي فيها مذمة لبعض الأصحاب والإخوان‏.‏ فإني لا أسامح من أذاهم من هذا الباب، ولا حول ولا قوة إلا بالله‏.‏

بل مثل هذا يعود على قائله بالملام، إلا أن يكون له من حسنة، وممن يغفر الله، له إن شاء‏.‏ وقد عفا الله عما سلف‏.‏ وتعلمون أيضًا ‏:‏ أن ما يجري من نوع تغليظ، أو تخشين على بعض الأصحاب والإخوان‏:‏ ما كان يجري بدمشق، ومما جرى الآن بمصر فليس ذلك غضاضة، ولا نقصًا، في حق صاحبه ولا حصل بسبب ذلك تغير منا، ولا بغض‏.‏ بل هو بعد ما عومل به من التغليظ والتخشين أرفع قدرًا وأنبه ذكرًا وأحب وأعظم، وإنما هذه الأمور هي من مصالح المؤمنين التي يصلح الله بها بعضهم ببعض فإن المؤمن للمؤمن كاليدين، تغسل إحداهما الأخرى‏.‏

وقد لا ينقلع الوسخ إلا بنوع من الخشونة، لكن ذلك يوجب من النظافة والنعومة ما نحمد معه ذلك التخشين‏.‏ وتعلمون‏:‏ أنا جميعًا متعاونون على البر والتقوى‏.‏ واجب علينا نصر بعضنا بعضًا أعظم مما كان وأشد‏.‏ فمن رام أن يؤذي بعض الأصحاب أو الإخوان لما قد يظنه من نوع تخشين - عومل به بدمشق أو بمصر الساعة أو غير ذلك - فهو الغالط‏.‏

وكذلك من ظن أن المؤمنين يبخلون عما أمروا به، من التعاون والتناصر، فقد ظن ظن سوء وإن الظن لا يُغني من الحق شيئا، وما غاب عنا أحد من الجماعة أو قدم إلينا الساعة، أو قبل الساعة، إلا ومنزلته عندنا اليوم أعظم مما كانت وأجل وأرفع‏.‏ وتعلمون - رضي الله عنكم -‏:‏ أن ما دون هذه القصية من الحوادث يقع فيها من اجتهاد الآراء، واختلاف الأهواء، وتنوع أحوال أهل الإيمان، وما لا بد منه - من نزغات الشيطان - ما لا يتصور أن يُعرى عنه نوع الإنسان‏.‏

وقد قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 72‏]‏، ‏{‏لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 73‏]‏‏.‏

بل أنا أقول ما هو أبلغ من ذلك - تنبيهًا بالأدنى على الأعلى، وبالأقصى على الأدنى - فأقول‏:‏ تعلمون كثرة ما وقع في هذه القضية من الأكاذيب المفتراة، والأغاليط المظنونة، والأهواء الفاسدة، وأن ذلك أمر يجل عن الوصف‏.‏ وكل ما قيل‏:‏ من كذب وزور فهو في حقنا خير ونعمة‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 11‏]‏‏.‏

وقد أظهر الله من نور الحق وبرهانه، ما رد به إفك الكاذب وبهتانه‏.‏ فلا أحب أن ينتصر من أحد بسبب كذبه عليّ، أو ظلمه وعدوانه، فإني قد أحللت كل مسلم‏.‏ وأنا أحب الخير لكل المسلمين، وأريد لكل مؤمن من الخير ما أحبه لنفسي‏.‏ والذين كذبوا وظلموا فهم في حل من جهتي‏.‏ وأما ما يتعلق بحقوق الله فإن تابوا تاب الله عليهم، وإلا فحكم الله نافذ فيهم‏.‏ فلو كان الرجل مشكورًا على سوء عمله لكنت أشكر كل من كان سببًا في هذه القضية؛ لما يترتب عليه من خير الدنيا والآخرة، لكن الله هو المشكور على حسن نعمه، وآلائه وأياديه، التي لا يقضي للمؤمن قضاءً إلا كان خيرًا له‏.‏

وأهل القصد الصالح يشكرون على قصدهم، وأهل العمل الصالح يشكرون على عملهم وأهل السيئات نسأل الله أن يتوب عليهم‏.‏ وأنتم تعلمون هذا من خلقي‏.‏ والأمر أزيد مما كان وأوكد، لكن حقوق الناس بعضهم مع بعض وحقوق الله عليهم هم فيها تحت حكم الله‏.‏

وأنتم تعلمون أن الصديق الأكبر في قضية الإفك التي أنزل الله فيها القرآن، حلف لا يصل مسطح بن أثاثة؛ لأنه كان من الخائضين في الإفك‏.‏ فأنزل الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أولى الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 22‏]‏، فلما نزلت قال أبو بكر‏:‏ بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي‏.‏ فأعاد إلى مسطح النفقة التي كان ينفق‏.‏ ومع ما ذكر من العفو والإحسان وأمثاله وأضعافه والجهاد على ما بعث الله به رسوله من الكتاب والحكمة أمر لا بد منه ‏{‏فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 54‏]‏، ‏{‏إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 55‏]‏ ‏{‏وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 56‏]‏‏.‏ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد، وآله وسلم تسليمًا‏.‏

 وكتب أيضًا ‏:‏

بسم الله الرحمن الرحيم، سلام الله عليكم ورحمة الله وبركاته، ونحن لله الحمد والشكر في نعم متزايدة، متوافرة، وجميع ما يفعله الله فيه نصر الإسلام، وهو من نعم الله العظام‏.‏ ‏{‏هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفي بِاللَّهِ شَهِيدًا‏}‏ ‏[‏الفتح‏:‏ 28‏]‏، فإن الشيطان استعمل حزبه في إفساد دين الله الذي بعث به رسله وأنزل به كتبه‏.‏ ومن سنة الله‏:‏ أنه إذا أراد إظهار دينه، أقام من يعارضه؛ فيحق الحق بكلماته، ويقذف بالحق على الباطل؛ فيدمغه فإذا هو زاهق‏.‏ والذي سعى فيه حزب الشيطان لم يكن مخالفة لشرع محمد صلى الله عليه وسلم وحده، بل مخالفة لدين جميع المرسلين‏:‏ إبراهيم وموسى، والمسيح، ومحمد خاتم النبيين، صلى الله عليهم أجمعين‏.‏ وكانوا قد سعوا في أن لا يظهر من جهة حزب الله ورسوله خطاب، ولا كتاب وجزعوا من ظهور الإخنائية فاستعملهم الله تعالى‏.‏ حتى أظهروا أضعاف ذلك وأعظم، وألزمهم بتفتيشه ومطالعته ومقصودهم إظهار، عيوبه وما يحتجون به فلم يجدوا فيه إلا ما هو حجة عليهم وظهر لهم جهلهم وكذبهم وعجزهم وشاع هذا في الأرض وأن هذا مما لا يقدر عليه إلا الله، ولم يمكنهم أن يظهروا علينا فيه عيبًا في الشرع، والدين بل غاية ما عندهم‏:‏ أنه خولف مرسوم بعض المخلوقين، والمخلوق كائنًا من كان، إذا خالف أمر الله تعالى ورسوله لم يُجب، بل ولا يجوز طاعته في مخالفة أمر الله ورسوله، باتفاق المسلمين‏.‏ وقول القائل‏:‏ إنه يظهر البدع كلام يظهر فساده لكل مستبصر ويعلم أن الأمر بالعكس فإن الذي يظهر البدعة إما أن يكون لعدم علمه بسنة الرسول، أو لكونه له غرض وهوى يخالف ذلك، وهو أولى بالجهل بسنة الرسول واتباع هواهم بغير هدى من الله ‏{‏وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 50‏]‏ ممن هو أعلم بسنة الرسول منهم وأبعد عن الهوى والغرض في مخالفتها ‏{‏ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ‏}‏ ‏[‏الجاثية‏:‏ 18‏]‏، ‏{‏إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شيئا وإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ‏}‏ ‏[‏الجاثية‏:‏ 19‏]‏‏.‏ وهذه قضية كبيرة لها شأن عظيم‏.‏ ولتعلمن نبأه بعد حين‏.‏

ثم قال بعده‏:‏ وكانوا يطلبون تمام الإخنائية فعندهم ما يطمهم أضعافها، وأقوى فقها منها وأشد مخالفة لأغراضهم‏.‏ فإن الزملكانية قد بين فيها من نحو خمسين وجها‏:‏ أن ما حكم به ورسم به مخالف لإجماع المسلمين وما فعلوه لو كان ممن يعرف ما جاء به الرسول ويتعمد مخالفته لكان كفرًا وردة عن الإسلام لكنهم جهال دخلوا في شيء، ما كانوا يعرفونه، ولا ظنوا أنه يظهر منه أن السلطنة تخالف مرادهم والأمر أعظم مما ظهر لكم ونحن ولله الحمد على عظيم الجهاد في سبيله‏.‏ ثم ذكر كلامًا وقال‏:‏ بل جهادنا في هذا مثل جهادنا يوم قازان، والجبلية، والجهمية، والاتحادية وأمثال ذلك‏.‏ وذلك من أعظم نعم الله علينا، وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون‏.‏

 وقال الشيخ الإمام العلامة

شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن الشيخ الإمام العالم، شهاب الدين عبد الحليم بن الشيخ الإمام مجد الدين أبي البركات عبد السلام ابن تيمية رحمة الله عليه‏:‏ الحمد لله، نستعينه ونستهديه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له‏.‏ ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له‏.‏ ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرًا وداعيًا، إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، فهدى به من الضلالة‏.‏ وبصر به من العمى، وأرشد به من الغي‏.‏ وفتح به أعينًا عميًا، وآذانًا صمًا، وقلوبًا غلفًا، حيث بلغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وعبد الله حتى أتاه اليقين من ربه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا، وجزاه عنا أفضل ما جزى نبيًا عن أمته‏.‏ أما بعد‏:‏ فهذه‏:‏ ‏[‏قاعدة في الحسبة‏]‏‏.‏ أصل ذلك أن تعلم أن جميع الولايات في الإسلام مقصودها أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، فإن الله سبحانه وتعالى إنما خلق الخلق لذلك، وبه أنزل الكتب وبه أرسل الرسل وعليه جاهد الرسول والمؤمنون‏:‏ قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 56‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 25‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 36‏]‏‏.‏

وقد أخبر عن جميع المرسلين أن كلا منهم يقول لقومه‏:‏ ‏{‏اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 50‏]‏، وعباداته تكون بطاعته وطاعة رسوله وذلك هو الخير والبر، والتقوى والحسنات، والقربات والباقيات والصالحات والعمل الصالح، وإن كانت هذه الأسماء بينها فروق لطيفة ليس هذا موضعها‏.‏ وهذا الذي يقاتل عليه الخلق كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 39‏]‏‏.‏

وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال‏:‏ ‏(‏ سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية‏.‏ ويقاتل رياء‏:‏ فأي ذلك في سبيل الله‏؟‏ فقال‏:‏ من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله‏)‏‏.‏ وكل بني آدم لا تتم مصلحتهم لا في الدنيا، ولا في الآخرة إلا بالاجتماع والتعاون والتناصر فالتعاون والتناصر على جلب منافعهم، والتناصر لدفع مضارهم، ولهذا يقال‏:‏ الإنسان مدني بالطبع‏.‏ فإذا اجتمعوا فلا بد لهم من أمور يفعلونها يجتلبون بها المصلحة‏.‏ وأمور يجتنبونها لما فيها من المفسدة، ويكونون مطيعين للآمر بتلك المقاصد والناهي عن تلك المفاسد فجميع بني آدم لا بد لهم من طاعة آمر وناه‏.‏ فمن لم يكن من أهل الكتب الإلهية ولا من أهل دين فإنهم يطيعون ملوكهم فيما يرون أنه يعود بمصالح دنياهم، مصيبين تارة ومخطئين أخرى وأهل الأديان الفاسدة من المشركين وأهل الكتاب المستمسكين به بعد التبديل أو بعد النسخ والتبديل‏:‏ مطيعون فيما يرون أنه يعود عليهم بمصالح دينهم ودنياهم‏.‏ وغير أهل الكتاب منهم من يؤمن بالجزاء بعد الموت‏.‏ ومنهم من لا يؤمن به وأما أهل الكتاب فمتفقون على الجزاء بعد الموت، ولكن الجزاء في الدنيا متفق عليه أهل الأرض‏.‏ فإن الناس لم يتنازعوا في أن عاقبة الظلم وخيمة وعاقبة العدل كريمة ولهذا يروى‏:‏ ‏(‏الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة‏)‏‏.‏

وإذا كان لا بد من طاعة آمر وناه فمعلوم أن دخول المرء في طاعة الله ورسوله خير له وهو الرسول النبي الأمي المكتوب في التوراة والإنجيل الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر‏.‏ ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث وذلك هو الواجب على جميع الخلق قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 64‏]‏ ‏{‏فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 65‏]‏‏.‏ وقال‏:‏ ‏{‏وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقًا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 69‏]‏‏.‏ وقال‏:‏ ‏{‏تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 13‏]‏ ‏{‏ووَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 14‏]‏‏.‏

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته للجمعة‏:‏ ‏(‏إن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها‏)‏‏.‏ وكان يقول في خطبة الحاجة‏:‏ ‏(‏من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه ولن يضر الله شيئًا‏)‏‏.‏

وقد بعث الله رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم بأفضل المناهج والشرائع وأنزل عليه أفضل الكتب فأرسله إلى خير أمة أخرجت للناس وأكمل له ولأمته الدين وأتم عليهم النعمة وحرم الجنة إلا على من آمن به وبما جاء به ولم يقبل من أحد إلا الإسلام الذي جاء به فمن ابتغى غيره دينًا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين‏.‏

وأخبر في كتابه أنه أنزل الكتاب والحديد ليقوم الناس بالقسط، فقال تعالى‏:‏ ‏{‏لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏ 25‏]‏‏.‏ ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم أمته بتولية ولاة أمور عليهم وأمر ولاة الأمور أن يردوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل وأمرهم بطاعة ولاة الأمور في طاعة الله تعالى، ففي سنن أبي داود عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم‏)‏‏.‏

وفي سننه أيضًا عن أبي هريرة مثله‏.‏

وفي مسند الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض إلا أمروا أحدهم‏)‏‏.‏ فإذا كان قد أوجب في أقل الجماعات وأقصر الاجتماعات أن يولى أحدهم‏:‏ كان هذا تنبيها على وجوب ذلك فيما هو أكثر من ذلك، ولهذا كانت الولاية - لمن يتخذها دينًا يتقرب به إلى الله ويفعل فيها الواجب بحسب الإمكان - من أفضل الأعمال الصالحة حتى قد روى الإمام أحمد في مسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏إن أحب الخلق إلى الله إمام عادل وأبغض الخلق إلى الله إمام جائر‏)‏‏.‏

 فصل

وإذا كان جماع الدين وجميع الولايات هو أمر ونهي، فالأمر الذي بعث الله به رسوله هو الأمر بالمعروف والنهي الذي بعثه به هو النهي عن المنكر وهذا نعت النبي والمؤمنين، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 71‏]‏‏.‏

وهذا واجب على كل مسلم قادر وهو فرض على الكفاية ويصير فرض عين على القادر الذي لم يقم به غيره والقدرة هو السلطان والولاية فذوو السلطان أقدر من غيرهم، وعليهم من الوجوب ما ليس على غيرهم‏.‏ فإن مناط الوجوب هو القدرة، فيجب على كل إنسان بحسب قدرته قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ‏}‏ ‏[‏التغابن‏:‏ 16‏]‏‏.‏

وجميع الولايات الإسلامية إنما مقصودها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سواء في ذلك ولاية الحرب الكبرى‏:‏ مثل نيابة السلطنة والصغرى مثل ولاية الشرطة‏:‏ وولاية الحكم، أو ولاية المال وهي ولاية الدواوين المالية، وولاية الحسبة‏.‏

لكن من المتولين من يكون بمنزلة الشاهد المؤتمن، والمطلوب منه الصدق، مثل الشهود عند الحاكم، ومثل صاحب الديوان الذي وظيفته أن يكتب المستخرج والمصروف، والنقيب والعريف الذي وظيفته إخبار ذي الأمر بالأحوال‏.‏ ومنهم من يكون بمنزلة الأمين المطاع، والمطلوب منه العدل مثل‏:‏ الأمير والحاكم والمحتسب وبالصدق في كل الأخبار والعدل في الإنشاء من الأقوال والأعمال‏:‏ تصلح جميع الأحوال وهما قرينان كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 115‏]‏‏.‏

وقال النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر الظلمة‏:‏ ‏(‏من صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس منى ولست منه، ولا يرد على الحوض ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فهو منى وأنا منه‏:‏ وسيرد على الحوض‏)‏‏.‏ وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا‏)‏‏.‏ ولهذا قال سبحانه وتعالى‏:‏ ‏{‏هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 221‏]‏، ‏{‏تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 222‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ‏}‏ ‏[‏العلق‏:‏ 15‏]‏ ‏{‏نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ‏}‏ ‏[‏العلق‏:‏ 16‏]‏‏.‏ فلهذا يجب على كل ولي أمر أن يستعين بأهل الصدق والعدل وإذا تعذر ذلك استعان بالأمثل فالأمثل وإن كان فيه كذب وظلم، فإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر وبأقوام لا خلاق لهم والواجب إنما هو فعل المقدور‏.‏

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ أو عمر بن الخطاب‏:‏ ‏(‏من قلد رجلًا على عصابة وهو يجد في تلك العصابة من هو أرضى لله منه فقد خان الله، وخان رسوله، وخان المؤمنين‏)‏‏.‏

فالواجب إنما هو الأرضى من الموجود والغالب أنه لا يوجد كامل فيفعل خير الخيرين ويدفع شر الشرين، ولهذا كان عمر بن الخطاب يقول‏:‏ أشكو إليك جلد الفاجر وعجز الثقة‏.‏

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يفرحون بانتصار الروم والنصارى على المجوس وكلاهما كافر، لأن أحد الصنفين أقرب إلى الإسلام، وأنزل الله في ذلك ‏[‏سورة الروم‏]‏ لما اقتتلت الروم وفارس، والقصة مشهورة‏.‏ وكذلك يوسف كان نائبًا لفرعون مصر وهو وقومه مشركون وفعل من العدل والخير ما قدر عليه ودعاهم إلى الإيمان بحسب الإمكان‏.‏

 فصل

عموم الولايات وخصوصها وما يستفيده المتولي بالولاية يتلقى من الألفاظ والأحوال والعرف وليس لذلك حد في الشرع‏.‏ فقد يدخل في ولاية القضاة في بعض الأمكنة والأزمنة ما يدخل في ولاية الحرب في مكان وزمان آخر، وبالعكس‏.‏ وكذلك الحسبة وولاية المال‏.‏ وجميع هذه الولايات هي في الأصل ولاية شرعية ومناصب دينية فأي من عدل في ولاية من هذه الولايات فساسها بعلم وعدل وأطاع الله ورسوله بحسب الإمكان فهو من الأبرار الصالحين وأي من ظلم وعمل فيها بجهل فهو من الفجار الظالمين‏.‏ إنما الضابط قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ‏}‏ ‏[‏الانفطار‏:‏ 13‏]‏‏{‏وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ‏}‏ ‏[‏الانفطار‏:‏ 14‏]‏‏.‏ وإذا كان كذلك‏:‏ فولاية الحرب في عرف هذا الزمان في هذه البلاد الشامية والمصرية تختص بإقامة الحدود التي فيها إتلاف مثل قطع يد السارق وعقوبة المحارب ونحو ذلك‏.‏ وقد يدخل فيها من العقوبات ما ليس فيه إتلاف، كجلد السارق‏.‏ ويدخل فيها الحكم في المخاصمات والمضاربات، ودواعي التهم التي ليس فيها كتاب وشهود‏.‏ كما تختص ولاية القضاء بما فيه كتاب وشهود وكما تختص بإثبات الحقوق والحكم في مثل ذلك، والنظر في حال نظار الوقوف وأوصياء اليتامى وغير ذلك مما هو معروف‏.‏ وفي بلاد أخرى كبلاد المغرب‏:‏ ليس لوالى الحرب حكم في شيء وإنما هو منفذ لما يأمر به متولي القضاء، وهذا اتبع السنة القديمة، ولهذا أسباب من المذاهب والعادات مذكورة في غير هذا الموضع‏.‏

وأما المحتسب فله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مما ليس من خصائص الولاة والقضاة وأهل الديوان ونحوهم وكثير من الأمور الدينية هو مشترك بين ولاة الأمور فمن أدى فيه الواجب وجبت طاعته فيه فعلى المحتسب أن يأمر العامة بالصلوات الخمس في مواقيتها ويعاقب من لم يصل بالضرب والحبس، وأما القتل فإلى غيره ويتعهد الأئمة والمؤذنين، فمن فرط منهم فيما يجب من حقوق الإمامة أو خرج عن الأذان المشروع ألزمه بذلك واستعان فيما يعجز عنه بوالى الحرب والحكم وكل مطاع يعين على ذلك‏.‏

وذلك أن ‏[‏الصلاة‏]‏ هي أعرف المعروف من الأعمال وهي عمود الإسلام وأعظم شرائعه وهي قرينة الشهادتين وإنما فرضها الله ليلة المعراج وخاطب بها الرسول بلا واسطة لم يبعث بها رسولا من الملائكة وهي آخر ما وصى به النبي صلى الله عليه وسلم أمته وهي المخصوصة بالذكر في كتاب الله تخصيصًا بعد تعميم كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ يُمَسَّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 170‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ‏}‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏ 45‏]‏‏.‏ وهي المقرونة بالصبر وبالزكاة وبالنسك وبالجهاد في مواضع من كتاب الله كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 45‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 43‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 162‏]‏‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا‏}‏ ‏[‏الفتح‏:‏ 29‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 102‏]‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 103‏]‏‏.‏ وأمرها أعظم من أن يحاط به فاعتناء ولاة الأمر بها يجب أن يكون فوق اعتنائهم بجميع الأعمال، ولهذا كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه يكتب إلى عماله‏:‏ أن أهم أمركم عندي الصلاة من حفظها وحافظ عليها حفظ دينه ومن ضيعها كان لما سواها أشد إضاعة‏.‏ رواه مالك وغيره‏.‏ ويأمر المحتسب بالجمعة والجماعات وبصدق الحديث وأداء الأمانات وينهى عن المنكرات‏:‏ من الكذب والخيانة‏:‏ وما يدخل في ذلك من تطفيف المكيال والميزان والغش في الصناعات، والبياعات والديانات ونحو ذلك قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ‏}‏ ‏[‏المطففين‏:‏ 1‏]‏ ‏{‏الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ‏}‏ ‏[‏المطففين‏:‏ 2‏]‏ ‏{‏وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ‏}‏ ‏[‏المطففين‏:‏ 3‏]‏ وقال في قصة شعيب‏:‏ ‏{‏أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 181‏]‏ ‏{‏وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ‏}‏ الشعراء‏:‏ 182‏]‏ ‏{‏وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 183‏]‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 107‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 52‏]‏‏.‏ وفي الصحيحين عن حكيم بن حزام قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كتما وكذبًا محقت بركة بيعهما‏)‏ وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة‏:‏ ‏(‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على صبرة طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللًا، فقال‏:‏ ما هذا يا صاحب الطعام‏؟‏ - فقال‏:‏ أصابته السماء يا رسول الله قال‏:‏ - أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس من غشنا فليس منا‏)‏، وفي رواية‏:‏ ‏(‏من غشني فليس مني‏)‏ فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الغاش ليس بداخل في مطلق اسم أهل الدين والإيمان كما قال ‏(‏لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن‏)‏ فسلبه حقيقة الإيمان التي بها يستحق حصول الثواب والنجاة من العقاب، وإن كان معه أصل الإيمان الذي يفارق به الكفار ويخرج به من النار‏.‏ والغش يدخل في البيوع بكتمان العيوب وتدليس السلع، مثل أن يكون ظاهر المبيع خيرًا من باطنه، كالذي مر عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأنكر عليه‏.‏ ويدخل في الصناعات مثل الذين يصنعون المطعومات من الخبز والطبخ والعدس والشواء وغير ذلك أو يصنعون الملبوسات كالنساجين والخياطين ونحوهم أو يصنعون غير ذلك من الصناعات فيجب نهيهم عن الغش والخيانة والكتمان‏.‏

ومن هؤلاء ‏[‏الكيماوية‏]‏ الذين يغشون النقود والجواهر والعطر وغير ذلك فيصنعون ذهبًا أو فضة أو عنبرًا أو مسكًا أو جواهر أو زعفرانًا أو ماء ورد أو غير ذلك، يضاهون به خلق الله‏:‏ ولم يخلق الله شيئا فيقدر العباد أن يخلقوا كخلقه بل قال الله عز وجل فيما حكى عنه رسوله‏:‏ ‏(‏ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي فليخلقوا ذرة فليخلقوا بعوضة‏)‏ ولهذا كانت المصنوعات مثل الأطبخة والملابس والمساكن غير مخلوقة إلا بتوسط الناس قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 41‏]‏ ‏{‏وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 42‏]‏‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏ 95‏]‏ ‏{‏وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏ 96‏]‏‏.‏ وكانت المخلوقات من المعادن والنبات والدواب غير مقدورة لبني آدم أن يصنعوها، لكنهم يشبهون على سبيل الغش‏.‏ وهذا حقيقة الكيمياء، فإنه المشبه، وهذا باب واسع قد صنف فيه أهل الخبرة ما لا يحتمل ذكره في هذا الموضع‏.‏ ويدخل في المنكرات ما نهى الله عنه ورسوله من العقود المحرمة‏:‏ مثل عقود الربا والميسر، ومثل بيع الغرر وكحبل الحبلة، والملامسة والمنابذة، وربا النسيئة وربا الفضل وكذلك النجش وهو أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها وتصرية الدابة اللبون وسائر أنواع التدليس‏.‏ وكذلك المعاملات الربوية سواء كانت ثنائية أو ثلاثية إذا كان المقصود بها جميعها أخذ دراهم بدراهم أكثر منها إلى أجل‏.‏

فالثنائية ما يكون بين اثنين‏:‏ مثل أن يجمع إلى القرض بيعًا أو إجارة أو مساقاة أو مزارعة وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع ولا ربح ما لم يضمن ولا بيع ما ليس عندك‏)‏ قال الترمذي حديث صحيح‏.‏ ومثل أن يبيعه سلعة إلى أجل ثم يعيدها إليه ففي سنن أبي داود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا‏)‏‏.‏ والثلاثية مثل أن يدخل بينهما محللا للربا يشتري السلعة منه آكل الربا ثم يبيعها المعطي للربا إلى أجل ثم يعيدها إلى صاحبها بنقص دراهم يستفيدها المحلل وهذه المعاملات منها ما هو حرام بإجماع المسلمين مثل التي يجري فيها شرط لذلك، أو التي يباع فيها المبيع قبل القبض الشرعي أو بغير الشروط الشرعية، أو يقلب فيها الدين على المعسر فإن المعسر يجب إنظاره ولا يجوز الزيادة عليه بمعاملة ولا غيرها بإجماع المسلمين‏.‏ ومنها ما قد تنازع فيه بعض العلماء، لكن الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين تحريم ذلك كله‏.‏

ومن المنكرات تلقي السلع قبل أن تجيء إلى السوق، فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك لما فيه من تغرير البائع، فإنه لا يعرف السعر فيشتري منه المشتري بدون القيمة، ولذلك أثبت النبي صلى الله عليه وسلم له الخيار إذا هبط إلى السوق‏.‏ وثبوت الخيار له مع الغبن لا ريب فيه وأما ثبوته بلا غبن ففيه نزاع بين العلماء وفيه عن أحمد روايتان‏:‏ إحداهما يثبت وهو قول الشافعي‏.‏ والثانية لا يثبت لعدم الغبن‏.‏ وثبوت الخيار بالغبن للمسترسل - وهو الذي لا يماكس - هو مذهب مالك وأحمد وغيرهما فليس لأهل السوق أن يبيعوا المماكس بسعر، ويبيعوا المسترسل الذي لا يماكس أو من هو جاهل بالسعر بأكثر من ذلك السعر هذا مما ينكر على الباعة‏.‏ وجاء في الحديث‏:‏ ‏(‏غبن المسترسل ربا‏)‏ وهو بمنزلة تلقي السلع، فإن القادم جاهل بالسعر، ولذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيع حاضر لباد وقال‏:‏ ‏(‏دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض‏)‏ وقيل لابن عباس ما قوله‏:‏ ‏(‏لا يبيع حاضر لباد‏)‏‏؟‏ قال‏:‏ لا يكون له سمسار وهذا نهي عنه لما فيه من ضرر المشترين فإن المقيم إذا توكل للقادم في بيع سلعة يحتاج الناس إليها والقادم لا يعرف السعر ضر ذلك المشتري، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ‏(‏دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض‏)‏‏.‏

ومثل ذلك ‏[‏الاحتكار‏]‏ لما يحتاج الناس إليه روى مسلم في صحيحه عن معمر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏لا يحتكر إلا خاطئ‏)‏ فإن المحتكر هو الذي يعمد إلى شراء ما يحتاج إليه الناس من الطعام فيحبسه عنهم ويريد إغلاءه عليهم وهو ظالم للخلق المشترين ولهذا كان لولي الأمر أن يكره الناس على بيع ما عندهم بقيمة المثل عند ضرورة الناس إليه مثل من عنده طعام لا يحتاج إليه والناس في مخمصة‏.‏ فإنه يجبر على بيعه للناس بقيمة المثل ولهذا قال الفقهاء‏:‏ من اضطر إلى طعام الغير أخذه منه بغير اختياره بقيمة مثله ولو امتنع من بيعه إلا بأكثر من سعره لم يستحق إلا سعره‏.‏ ومن هنا يتبين أن السعر منه ما هو ظلم لا يجوز ومنه ما هو عدل جائز فإذا تضمن ظلم الناس وإكراههم بغير حق على البيع بثمن لا يرضونه، أو منعهم مما أباحه الله لهم‏:‏ فهو حرام‏.‏

وإذا تضمن العدل بين الناس مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل، ومنعهم مما يحرم عليهم من أخذ زيادة على عوض المثل‏:‏ فهو جائز، بل واجب‏.‏ فأما الأول فمثل ما روى أنس ‏(‏قال‏:‏ غلا السعر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا‏:‏ يا رسول الله لو سعرت‏؟‏ فقال‏:‏ إن الله هو القابض الباسط الرازق المسعر وإني لأرجو أن ألقى الله ولا يطلبني أحد بمظلمة ظلمتها إياه في دم ولا مال‏)‏، رواه أبو داود والترمذي وصححه‏.‏ فإذا كان الناس يبيعون سلعهم على الوجه المعروف من غير ظلم منهم وقد ارتفع السعر إما لقلة الشيء وإما لكثرة الخلق‏:‏ فهذا إلى الله‏.‏ فإلزام الخلق أن يبيعوا بقيمة بعينها إكراه بغير حق‏.‏ وأما الثاني فمثل أن تنفع أرباب السلع من بيعها مع ضرورة الناس إليها إلا بزيادة على القيمة المعروفة فهنا يجب عليهم بيعها بقيمة المثل ولا معنى للتسعير إلا إلزامهم بقيمة المثل فيجب أن يلتزموا بما ألزمهم الله به‏.‏ وأبلغ من هذا أن يكون الناس قد التزموا ألا يبيع الطعام أو غيره إلا أناس معروفون لا تباع تلك السلع إلا لهم، ثم يبيعونها هم، فلو باع غيرهم ذلك منع إما ظلمًا لوظيفة تؤخذ من البائع، أو غير ظلم، لما في ذلك من الفساد فههنا يجب التسعير عليهم بحيث لا يبيعون إلا بقيمة المثل ولا يشترون أموال الناس إلا بقيمة المثل بلا تردد في ذلك عند أحد من العلماء، لأنه إذا كان قد منع غيرهم أن يبيع ذلك النوع أو يشتريه‏:‏ فلو سوغ لهم أن يبيعوا بما اختاروا أو اشتروا بما اختاروا كان ذلك ظلمًا للخلق من وجهين‏:‏ ظلمًا للبائعين الذين يريدون بيع تلك الأموال، وظلمًا للمشترين منهم‏.‏ والواجب إذا لم يمكن دفع جميع الظلم أن يدفع الممكن منه فالتسعير في مثل هذا واجب بلا نزاع وحقيقته‏:‏ إلزامهم ألا يبيعوا أو لا يشتروا إلا بثمن المثل‏.‏ وهذا واجب في مواضع كثيرة من الشريعة، فإنه كما أن الإكراه على البيع لا يجوز إلا بحق‏:‏ يجوز الإكراه على البيع بحق في مواضع مثل بيع المال لقضاء الدين الواجب والنفقة الواجبة والإكراه على ألا يبيع إلا بثمن المثل لا يجوز إلا بحق ويجوز في مواضع، مثل المضطر إلى طعام الغير ومثل الغراس والبناء الذي في ملك الغير، فإن لرب الأرض أن يأخذه بقيمة المثل لا بأكثر‏.‏ ونظائره كثيرة‏.‏ وكذلك السراية في العتق كما قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏من أعتق شركًا له في عبد وكان له من المال ما يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة عدل لا وكس ولا شطط فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق منه ما عتق‏)‏‏.‏ وكذلك من وجب عليه شراء شيء للعبادات كآلة الحج ورقبة العتق وماء الطهارة، فعليه أن يشتريه بقيمة المثل، ليس له أن يمتنع عن الشراء إلا بما يختار‏.‏ وكذلك فيما يجب عليه من طعام أو كسوة لمن عليه نفقته إذا وجد الطعام أو اللباس الذي يصلح له في العرف بثمن المثل‏:‏ لم يكن له أن ينتقل إلى ما هو دونه، حتى يبذل له ذلك بثمن يختاره‏.‏ ونظائره كثيرة‏.‏ ولهذا منع غير واحد من العلماء كأبي حنيفة وأصحابه القسام الذين يقسمون العقار وغيره بالأجر أن يشتركوا والناس محتاجون إليهم ويغلو عليهم الأجر، فمنع البائعين الذين تواطئوا على ألا يبيعوا إلا بثمن قدروه أولى‏.‏ وكذلك منع المشترين إذا تواطئوا على أن يشتركوا فإنهم إذا اشتركوا فيما يشتريه أحدهم حتى يهضموا سلع الناس أولى أيضًا فإذا كانت الطائفة التي تشتري نوعًا من السلع أو تبيعها قد تواطأت على أن يهضموا ما يشترونه فيشترونه بدون ثمن المثل المعروف، ويزيدون ما يبيعونه بأكثر من الثمن المعروف، وينموا ما يشترونه‏:‏ كان هذا أعظم عدوانًا من تلقي السلع ومن بيع الحاضر للبادي ومن النجش ويكونون قد اتفقوا على ظلم الناس حتى يضطروا إلى بيع سلعهم وشرائها بأكثر من ثمن المثل والناس يحتاجون إلى ذلك وشرائه وما احتاج إلى بيعه وشرائه عموم الناس فإنه يجب أن لا يباع إلا بثمن المثل‏:‏ إذا كانت الحاجة إلى بيعه وشرائه عامة‏.‏ ومن ذلك أن يحتاج الناس إلى صناعة ناس، مثل حاجة الناس إلى الفلاحة والنساجة والبناية‏:‏ فإن الناس لا بد لهم من طعام يأكلونه وثياب يلبسونها ومساكن يسكنونها فإذا لم يجلب لهم من الثياب ما يكفيهم كما كان يجلب إلى الحجاز على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت الثياب تجلب إليهم من اليمن ومصر والشام وأهلها كفار وكانوا يلبسون ما نسجه الكفار ولا يغسلونه فإذا لم يجلب إلى ناس البلد ما يكفيهم احتاجوا إلى من ينسج لهم الثياب‏.‏ ولا بد لهم من طعام إما مجلوب من غير بلدهم وإما من زرع بلدهم وهذا هو الغالب‏.‏

وكذلك لا بد لهم من مساكن يسكنونها، فيحتاجون إلى البناء، فلهذا قال غير واحد من الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم‏:‏ كأبي حامد الغزالي، وأبي الفرج بن الجوزي وغيرهم‏:‏ أن هذه الصناعات فرض على الكفاية، فإنه لا تتم مصلحة الناس إلا بها، كما أن الجهاد فرض على الكفاية، إلا أن يتعين فيكون فرضًا على الأعيان، مثل أن يقصد العدو بلدًا، أو مثل أن يستنفر الإمام أحدًا‏.‏

وطلب العلم الشرعي فرض على الكفاية إلا فيما يتعين، مثل طلب كل واحد علم ما أمره الله به وما نهاه عنه، فإن هذا فرض على الأعيان كما أخرجاه في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين‏)‏ وكل من أراد الله به خيرًا لا بد أن يفقهه في الدين فمن لم يفقهه في الدين لم يرد الله به خيرًا والدين‏:‏ ما بعث الله به رسوله، وهو ما يجب على المرء التصديق به والعمل به وعلى كل أحد أن يصدق محمدًا صلى الله عليه وسلم فيما أخبر به ويطيعه فيما أمر تصديقًا عامًا وطاعة عامة ثم إذا ثبت عنه خبر كان عليه أن يصدق به مفصلاً وإذا كان مأمورًا من جهة بأمر معين كان عليه أن يطيعه طاعة مفصلة‏.‏ وكذلك غسل الموتى وتكفينهم والصلاة عليهم ودفنهم‏:‏ فرض على الكفاية‏.‏ وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض على الكفاية‏.‏ والولايات كلها‏:‏ الدينية - مثل إمرة المؤمنين وما دونها‏:‏ من ملك ووزارة وديوانية سواء كانت كتابة خطاب أو كتابة حساب لمستخرج أو مصروف في أرزاق المقاتلة أو غيرهم ومثل إمارة حرب وقضاء وحسبة وفروع هذه الولايات - إنما شرعت للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر‏.‏

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في مدينته النبوية يتولى جميع ما يتعلق بولاة الأمور ويولي في الأماكن البعيدة عنه كما ولى على مكة عتاب بن أسيد وعلى الطائف عثمان بن أبي العاص وعلى قرى عرينة خالد بن سعيد بن العاص وبعث عليًا ومعاذًا وأبا موسى إلى اليمن‏.‏ وكذلك كان يؤمر على السرايا ويبعث على الأموال الزكوية السعاة فيأخذونها ممن هي عليه ويدفعونها إلى مستحقيها الذين سماهم الله في القرآن فيرجع الساعي إلى المدينة وليس معه إلا السوط لا يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم بشيء إذا وجد لها موضعًا يضعها فيه‏.‏

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستوفي الحساب على العمال، يحاسبهم على المستخرج والمصروف، كما في الصحيحين عن أبي حميد الساعدي ‏(‏أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا من الأزد يقال له‏:‏ ابن اللتبية على الصدقات، فلما رجع حاسبه فقال‏:‏ هذا لكم وهذا أهدي إلى فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ما بال الرجل نستعمله على العمل بما ولانا الله فيقول‏:‏ هذا لكم وهذا أهدي إلي‏؟‏ أفلا قعد في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى إليه أم لا‏؟‏ والذي نفسي بيده لا نستعمل رجلا على العمل مما ولانا الله فيغل منه شيئا إلا جاء يوم القيامة يحمله على رقبته‏:‏ إن كان بعيرًا له رغاء، وإن كانت بقرة لها خوار، وإن كانت شاة تيعر ثم رفع يديه إلى السماء وقال‏:‏ - اللهم هل بلغت‏؟‏ اللهم هل بلغت‏؟‏ - قالها مرتين أو ثلاثًا‏)‏‏.‏ والمقصود هنا‏:‏ أن هذه الأعمال التي هي فرض على الكفاية متى لم يقم بها غير الإنسان صارت فرض عين عليه لا سيما إن كان غيره عاجزًا عنها فإذا كان الناس محتاجين إلى فلاحة قوم أو نساجتهم أو بنائهم صار هذا العمل واجبًا يجبرهم ولي الأمر عليه إذا امتنعوا عنه بعوض المثل ولا يمكنهم من مطالبة الناس بزيادة عن عوض المثل ولا يمكن الناس من ظلمهم بأن يعطوهم دون حقهم كما إذا احتاج الجند المرصدون للجهاد إلى فلاحة أرضهم ألزم من صناعته الفلاحة بأن يصنعها لهم‏:‏ فإن الجند يلزمون بأن لا يظلموا الفلاح كما ألزم الفلاح أن يفلح للجند‏.‏

والمزارعة جائزة في أصح قولي العلماء وهي عمل المسلمين على عهد نبيهم وعهد خلفائه الراشدين وعليها عمل آل أبي بكر وآل عمر وآل عثمان وآل على وغيرهم من بيوت المهاجرين وهي قول أكابر الصحابة كابن مسعود وهي مذهب فقهاء الحديث‏:‏ كأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وداود بن علي، والبخاري، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، وأبي بكر بن المنذر وغيرهم ومذهب الليث بن سعد، وابن أبي ليلى، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن وغيرهم من فقهاء المسلمين‏.‏

وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد عال أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر وزرع حتى مات ولم تزل تلك المعاملة حتى أجلاهم عمر عن خيبر وكان قد شارطهم أن يعمروها من أموالهم وكان البذر منهم لا من النبي صلى الله عليه وسلم ولهذا كان الصحيح من قولي العلماء أن البذر يجوز أن يكون من العامل، بل طائفة من الصحابة قالوا‏:‏ لا يكون البذر إلا من العامل‏.‏

والذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم من المخابرة وكراء الأرض قد جاء مفسرًا بأنهم كانوا يشترطون لرب الأرض زرع بقعة معينة ومثل هذا الشرط باطل بالنص وإجماع العلماء وهو كما لو شرط في المضاربة لرب المال دراهم معينة فإن هذا لا يجوز بالاتفاق، لأن المعاملة مبناها على العدل وهذه المعاملات من جنس المشاركات، والمشاركة إنما تكون إذا كان لكل من الشريكين جزء شائع كالثلث والنصف فإذا جعل لأحدهما شيء مقدر لم يكن ذلك عدلا، بل كان ظلما‏.‏ وقد ظن طائفة من العلماء أن هذه المشاركات من باب الإجارات بعوض مجهول، فقالوا‏:‏ القياس يقتضي تحريمها‏.‏ ثم منهم من حرم المساقاة والزراعة وأباح المضاربة استحبابًا للحاجة، لأن الدراهم لا يمكن إجارتها كما يقول أبو حنيفة‏.‏ ومنهم من أباح المساقاة إما مطلقًا كقول مالك والقديم للشافعي‏.‏ أو على النخل والعنب كالجديد للشافعي، لأن الشجر لا يمكن إجارتها بخلاف الأرض وأباحوا ما يحتاج إليه من المزارعة تبعًا للمساقاة، فأباحوا المزارعة تبعًا للمساقاة كقول الشافعي إذا كانت الأرض أغلب‏.‏ أو قدروا ذلك بالثلث كقول مالك‏.‏ وأما جمهور السلف وفقهاء الأمصار فقالوا‏:‏ هذا من باب المشاركة لا من باب الإجارة التي يقصد فيها العمل، فإن مقصود كل منهما ما يحصل من الثمر والزرع، وهما متشاركان‏:‏ هذا ببدنه وهذا بماله كالمضاربة‏.‏ ولهذا كان الصحيح من قولي العلماء‏:‏ أن هذه المشاركات إذا فسدت وجب نصيب المثل لا أجرة المثل فيجب من الربح أو النماء إما ثلثه وإما نصفه، كما جرت العادة في مثل ذلك، ولا يجب أجرة مقدرة، فإن ذلك قد يستغرق المال وأضعافه وإنما يجب في الفاسد من العقود نظير ما يجب في الصحيح والواجب في الصحيح ليس هو أجرة مسماة، بل جزء شائع من الربح مسمى فيجب في الفاسدة نظير ذلك والمزارعة أصل من المؤاجرة وأقرب إلى العدل والأصول، فإنهما يشتركان في المغنم والمغرم، بخلاف المؤاجرة فإن صاحب الأرض تسلم له الأجرة والمستأجر قد يحصل له زرع وقد لا يحصل والعلماء مختلفون في جواز هذا، وجواز هذا‏.‏ والصحيح جوازهما‏.‏

وسواء كانت الأرض مقطعة أو لم تكن مقطعة وما علمت أحدًا من علماء المسلمين - لا أهل المذاهب الأربعة ولا غيرهم - قال‏:‏ إن إجارة الإقطاع لا تجوز وما زال المسلمون يؤجرون الأرض المقطعة من زمن الصحابة إلى زمننا هذا، لكن بعض أهل زماننا ابتدعوا هذا القول، قالوا‏:‏ لأن المقطع لا يملك المنفعة، فيصير كالمستعير إذا أكرى الأرض المعارة وهذا القياس خطأ لوجهين‏:‏ أحدهما‏:‏ أن المستعير لم تكن المنفعة حقًا له، وإنما تبرع له المعير بها وأما أراضي المسلمين فمنفعتها حق للمسلمين، وولي الأمر قاسم يقسم بينهم حقوقهم ليس متبرعًا لهم كالمعير والمقطع يستوفي المنفعة بحكم الاستحقاق كما يستوفي الموقوف عليه منافع الوقف وأولى وإذا جاز للموقوف عليه أن يؤجر الوقف وإن أمكن أن يموت فتنفسخ الإجارة بموته على أصح قولي العلماء‏:‏ فلأن يجوز للمقطع أن يؤجر الإقطاع وإن انفسخت الإجارة بموته أو غير ذلك بطريق الأولى والأحرى‏.‏ الثاني‏:‏ أن المعير لو أذن في الإجارة جازت الإجارة‏:‏ مثل الإجارة في الإقطاع وولي الأمر يأذن للمقطعين في الإجارة وإنما أقطعهم لينتفعوا بها‏:‏ إما بالمزارعة وإما بالإجارة ومن حرم الانتفاع بها بالمؤاجرة والمزارعة فقد أفسد على المسلمين دينهم ودنياهم، فإن المساكن كالحوانيت والدور ونحو ذلك لا ينتفع بها المقطع إلا بالإجارة‏.‏ وأما المزارع والبساتين فينتفع بها بالإجارة وبالمزارعة والمساقاة في الأمر العام والمرابعة نوع من المزارعة ولا تخرج عن ذلك إلا إذا استكرى بإجارة مقدرة من يعمل له فيها وهذا لا يكاد يفعله إلا قليل من الناس‏.‏ لأنه قد يخسر ماله ولا يحصل له شيء، بخلاف المشاركة فإنهما يشتركان في المغنم والمغرم، فهو أقرب إلى العدل‏.‏ فلهذا تختاره الفطر السليمة‏.‏ وهذه المسائل لبسطها موضع آخر‏.‏ والمقصود هنا أن ولي الأمر إن أجبر أهل الصناعات على ما تحتاج إليه الناس من صناعاتهم كالفلاحة والحياكة والبناية فإنه يقدر أجرة المثل، فلا يمكن المستعمل من نقص أجرة الصانع عن ذلك ولا يمكن الصانع من المطالبة بأكثر من ذلك حيث تعين عليه العمل، وهذا من التسعير الواجب‏.‏ وكذلك إذا احتاج الناس إلى من يصنع لهم آلات الجهاد من سلاح وجسر للحرب وغير ذلك فيستعمل بأجرة المثل لا يمكن المستعملون من ظلمهم ولا العمال من مطالبتهم بزيادة على حقهم مع الحاجة إليهم فهذا تسعير في الأعمال‏.‏ وأما في الأموال فإذا احتاج الناس إلى سلاح للجهاد فعلى أهل السلاح أن يبيعوه بعوض المثل ولا يمكنون من أن يحبسوا السلاح حتى يتسلط العدو أو يبذل لهم من الأموال ما يختارون والإمام لو عين أهل الجهاد للجهاد تعين عليهم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏وإذا استنفرتم فانفروا‏)‏ أخرجاه في الصحيحين‏.‏ وفي الصحيح أيضًا عنه أنه قال‏:‏ ‏(‏على المرء المسلم السمع والطاعة في عسره ويسره، ومنشطه ومكرهه وأثرة عليه‏)‏‏.‏

فإذا وجب عليه أن يجاهد بنفسه وماله‏:‏ فكيف لا يجب عليه أن يبيع ما يحتاج إليه في الجهاد بعوض المثل‏؟‏ والعاجز عن الجهاد بنفسه يجب عليه الجهاد بماله في أصح قولي العلماء وهو إحدى الروايتين عن أحمد، فإن الله أمر بالجهاد بالمال والنفس في غير موضع من القرآن وقد قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ‏}‏ ‏[‏التغابن‏:‏ 16‏]‏ وقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم‏)‏ أخرجاه في الصحيحين‏.‏ فمن عجز عن الجهاد بالبدن لم يسقط عنه الجهاد بالمال كما أن من عجز عن الجهاد بالمال لم يسقط عنه الجهاد بالبدن‏.‏ ومن أوجب على المعضوب أن يخرج من ماله ما يحج به الغير عنه وأوجب الحج على المستطيع بماله فقوله ظاهر التناقض‏.‏ ومن ذلك إذا كان الناس محتاجين إلى من يطحن لهم ومن يخبز لهم لعجزهم عن الطحن والخبز في البيوت، كما كان أهل المدينة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه لم يكن عندهم من يطحن ويخبز بكراء ولا من يبيع طحينًا ولا خبزًا بل كانوا يشترون الحب ويطحنونه ويخبزونه في بيوتهم، فلم يكونوا يحتاجون إلى التسعير وكان من قدم بالحب باعه فيشتريه الناس من الجالبين، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏الجالب مرزوق والمحتكر ملعون‏)‏ وقال‏:‏ ‏(‏لا يحتكر إلا خاطئ‏)‏ رواه مسلم في صحيحه‏.‏ وما يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أنه نهى عن قفيز الطحان‏)‏ فحديث ضعيف بل باطل فإن المدينة لم يكن فيها طحان ولا خباز، لعدم حاجتهم إلى ذلك كما أن المسلمين لما فتحوا البلاد كان الفلاحون كلهم كفارًا، لأن المسلمين كانوا مشتغلين بالجهاد‏.‏ ولهذا لما فتح النبي صلى الله عليه وسلم خيبر أعطاها لليهود يعملونها فلاحة، لعجز الصحابة عن فلاحتها، لأن ذلك يحتاج إلى سكناها وكان الذين فتحوها أهل بيعة الرضوان الذين بايعوا تحت الشجرة وكانوا نحو ألف وأربعمائة وانضم إليهم أهل سفينة جعفر فهؤلاء هم الذين قسم النبي صلى الله عليه وسلم بينهم أرض خيبر فلو أقام طائفة من هؤلاء فيها لفلاحتها تعطلت مصالح الدين التي لا يقوم بها غيرهم فلما كان في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وفتحت البلاد وكثر المسلمون استغنوا عن اليهود فأجلوهم وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد قال‏:‏ ‏(‏نقركم فيها ما شئنا - وفي رواية - ما أقركم الله‏)‏ وأمر بإجلائهم منها عند موته صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ‏(‏أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب‏)‏‏.‏

ولهذا ذهب طائفة من العلماء كمحمد بن جرير الطبري - إلى أن الكفار لا يقرون في بلاد المسلمين بالجزية إلا إذا كان المسلمون محتاجين إليهم فإذا استغنوا عنهم أجلوهم كأهل خيبر‏.‏

وفي هذه المسألة نزاع ليس هذا موضعه‏.‏ والمقصود هنا أن الناس إذا احتاجوا إلى الطحانين والخبازين فهذا على وجهين‏:‏ أحدهما‏:‏ أن يحتاجوا إلى صناعتهم، كالذين يطحنون ويخبزون لأهل البيوت فهؤلاء يستحقون الأجرة وليس لهم عند الحاجة إليهم أن يطالبوا إلا بأجرة المثل كغيرهم من الصناع‏.‏ والثاني‏:‏ أن يحتاجوا إلى الصنعة والبيع، فيحتاجوا إلى من يشتري الحنطة ويطحنها، وإلى من يخبزها ويبيعها خبزًا‏.‏ لحاجة الناس إلى شراء الخبز من الأسواق فهؤلاء لو مكنوا أن يشتروا حنطة الناس المجلوبة ويبيعوا الدقيق والخبز بما شاءوا مع حاجة الناس إلى تلك الحنطة لكان ذلك ضررًا عظيما، فإن هؤلاء تجار تجب عليهم زكاة التجارة عند الأئمة الأربعة وجمهور علماء المسلمين كما يجب على كل من اشترى شيئًا يقصد أن يبيعه بربح سواء عمل فيه عملا أو لم يعمل وسواء اشترى طعامًا أو ثيابًا أو حيوانًا وسواء كان مسافرًا ينقل ذلك من بلد إلى بلد، أو كان متربصًا به يحبسه إلى وقت النفاق، أو كان مديرًا يبيع دائمًا ويشتري كأهل الحوانيت فهؤلاء كلهم تجب عليهم زكاة التجار وإذا وجب عليهم أن يصنعوا الدقيق والخبز لحاجة الناس إلى ذلك ألزموا كما تقدم، أو دخلوا طوعًا فيما يحتاج إليه الناس من غير إلزام لواحد منهم بعينه، فعلى التقديرين يسعر عليهم الدقيق والحنطة، فلا يبيعوا الحنطة والدقيق إلا بثمن المثل بحيث يربحون الربح بالمعروف من غير إضرار بهم ولا بالناس‏.‏ وقد تنازع العلماء في التسعير في مسألتين‏:‏ إحداهما‏:‏ إذا كان للناس سعر غال فأراد بعضهم أن يبيع بأغلى من ذلك فإنه يمنع منه في السوق في مذهب مالك‏.‏ وهل يمنع النقصان‏؟‏ على قولين لهم‏.‏ وأما الشافعي وأصحاب أحمد‏:‏ كأبي حفص العكبري‏.‏ والقاضي أبي يعلى، والشريف أبي جعفر، وأبي الخطاب، وابن عقيل وغيرهم‏:‏ فمنعوا من ذلك‏.‏ واحتج مالك بما رواه في موطئه عن يونس بن سيف عن سعيد بن المسيب‏:‏ أن عمر بن الخطاب مر بحاطب بن أبي بلتعة وهو يبيع زبيبًا له بالسوق، فقال له عمر‏:‏ إما أن تزيد في السعر وإما أن ترفع من سوقنا‏.‏ وأجاب الشافعي وموافقوه بما رواه فقال‏:‏ حدثنا الدراوردي عن داود بن صالح التمار عن القاسم بن محمد عن عمر‏:‏ أنه مر بحاطب بسوق المصلي وبين يديه غرارتان فيهما زبيب، فسأله عن سعرهما‏؟‏ فسعر له مدين لكل درهم فقال له عمر‏:‏ قد حدثت بعير مقبلة من الطائف تحمل زبيبًا وهم يعتبرون سعرك فإما أن ترفع السعر وإما أن تدخل زبيبك البيت فتبيعه كيف شئت فلما رجع عمر حاسب نفسه، ثم أتى حاطبًا في داره فقال‏:‏ إن الذي قلت لك ليس بمعرفة منى ولا قضاء إنما هو شيء أردت به الخير لأهل البلد فحيث شئت فبع وكيف شئت فبع قال الشافعي‏:‏ وهذا الحديث مقتضاه ليس بخلاف ما رواه مالك ولكنه روى بعض الحديث أو رواه عنه من رواه، وهذا أتى بأول الحديث وآخره، وبه أقول، لأن الناس مسلطون على أموالهم ليس لأحد أن يأخذها أو شيئا منها بغير طيب أنفسهم إلا في المواضع التي تلزمهم وهذا ليس منها‏.‏ قلت‏:‏ وعلى قول مالك قال أبو الوليد الباجي‏:‏ الذي يؤمر من حط عنه أن يلحق به هو السعر الذي عليه جمهور الناس، فإذا انفرد منهم الواحد والعدد اليسير بحط السعر أمروا باللحاق بسعر الجمهور، لأن المراعي حال الجمهور وبه تقوم المبيعات‏.‏ وروى ابن القاسم عن مالك‏:‏ لا يقام الناس لخمسة‏.‏ قال‏:‏ وعندي أنه يجب أن ينظر في ذلك إلى قدر الأسواق، وهل يقام من زاد في السوق - أي‏:‏ في قدر المبيع - بالدرهم مثلا كما يقام من نقص منه‏؟‏ قال أبو الحسن ابن القصار المالكي‏:‏ اختلف أصحابنا في قول مالك‏:‏ ولكن من حط سعرا‏.‏ فقال البغداديون‏:‏ أراد من باع خمسة بدرهم والناس يبيعون ثمانية‏.‏

وقال قوم من المصريين‏:‏ أراد من باع ثمانية والناس يبيعون خمسة‏.‏ قال‏:‏ وعندي أن الأمرين جميعًا ممنوعان، لأن من باع ثمانية والناس يبيعون خمسة أفسد على أهل السوق بيعهم، فربما أدى إلى الشغب والخصومة، ففي منع الجميع مصلحة‏.‏ قال أبو الوليد‏:‏ ولا خلاف أن ذلك حكم أهل السوق‏.‏ وأما الجالب ففي كتاب محمد‏:‏ لا يمنع الجالب أن يبيع في السوق دون الناس‏.‏ وقال ابن حبيب‏:‏ ما عدا القمح والشعير إلا بسعر الناس وإلا رفعوا قال‏:‏ وأما جالب القمح والشعير فيبيع كيف شاء، إلا أن لهم في أنفسهم حكم أهل السوق، إن أرخص بعضهم تركوا وإن كثر المرخص قيل لمن بقي‏:‏ إما أن تبيعوا كبيعهم وإما أن ترفعوا‏.‏ قال ابن حبيب‏:‏ وهذا في المكيل والموزون‏:‏ مأكولا أو غير مأكول، دون ما لا يكال ولا يوزن، لأن غيره لا يمكن تسعيره، لعدم التماثل فيه‏.‏ قال أبو الوليد‏:‏ يريد إذا كان المكيل والموزون متساويا فإذا اختلف لم يؤمر بائع الجيد أن يبيعه بسعر الدون‏.‏ قلت‏:‏ والمسألة الثانية التي تنازع فيها العلماء في التسعير‏:‏ أن لا يحد لأهل السوق حد لا يتجاوزونه مع قيام الناس بالواجب فهذا منع منه جمهور العلماء حتى مالك نفسه في المشهور عنه‏.‏ ونقل المنع أيضًا عن ابن عمر وسالم والقاسم بن محمد وذكر أبو الوليد عن سعيد بن المسيب وربيعة بن أبي عبد الرحمن‏.‏ وعن يحيى بن سعيد أنهم أرخصوا فيه، ولم يذكر ألفاظهم‏.‏ وروى أشهب عن مالك، وصاحب السوق يسعر على الجزارين‏:‏ لحم الضأن ثلث رطل، ولحم الإبل نصف رطل، وإلا خرجوا من السوق‏.‏ قال‏:‏ إذا سعر عليهم قدر ما يرى من شرائهم فلا بأس به ولكن أخاف أن يقوموا من السوق‏.‏ واحتج أصحاب هذا القول بأن هذا مصلحة للناس بالمنع من إغلاء السعر عليهم ولا فساد عليهم‏.‏ قالوا‏:‏ ولا يجبر الناس على البيع إنما يمنعون من البيع بغير السعر الذي يحده ولي الأمر، على حسب ما يرى من المصلحة فيه للبائع والمشتري، ولا يمنع البائع ربحًا ولا يسوغ له منه ما يضر بالناس‏.‏ وأما الجمهور فاحتجوا بما تقدم من حديث النبي صلى الله عليه وسلم وقد رواه أيضًا أبو داود وغيره من حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أنه قال‏:‏ ‏(‏جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له‏:‏ يا رسول الله سعر لنا فقال‏:‏ بل ادعوا الله ثم جاء رجل فقال‏:‏ يا رسول الله سعر لنا فقال‏:‏ بل الله يرفع ويخفض، وإني لأرجو أن ألقى الله وليست لأحد عندي مظلمة‏)‏‏.‏ قالوا‏:‏ ولأن إجبار الناس على بيع لا يجب أو منعهم مما يباح شرعًا‏:‏ ظلم لهم والظلم حرام‏.‏ وأما صفة ذلك عند من جوزه‏:‏ فقال ابن حبيب‏:‏ ينبغي للإمام أن يجمع وجوه أهل سوق ذلك الشيء، ويحضر غيرهم استظهارًا على صدقهم، فيسألهم‏:‏ كيف يشترون‏؟‏ وكيف يبيعون‏؟‏ فينازلهم إلى ما فيه لهم وللعامة سداد حتى يرضوا ولا يجبرون على التسعير، ولكن عن رضا‏.‏ قال‏:‏ وعلى هذا أجازه من أجازه‏.‏ قال أبو الوليد‏:‏ ووجه ذلك أنه بهذا يتوصل إلى معرفة مصالح الباعة والمشترين ويجعل للباعة في ذلك من الربح ما يقوم بهم، ولا يكون فيه إجحاف بالناس وإذا سعر عليهم من غير رضًا بما لا ربح لهم فيه أدى ذلك إلى فساد الأسعار وإخفاء الأقوات وإتلاف أموال الناس‏.‏

قلت‏:‏ فهذا الذي تنازع فيه العلماء‏.‏

وأما إذا امتنع الناس من بيع ما يجب عليهم بيعه فهنا يؤمرون بالواجب ويعاقبون على تركه وكذلك من وجب عليه أن يبيع بثمن المثل فامتنع أن يبيع إلا بأكثر منه‏:‏ فهنا يؤمر بما يجب عليه، ويعاقب على تركه بلا ريب‏.‏ ومن منع التسعير مطلقًا محتجًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أن الله هو المسعر القابض الباسط وأني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال‏)‏ فقد غلط، فإن هذه قضية معينة ليست لفظًا عامًا وليس فيها أن أحدًا امتنع من بيع يجب عليه أو عمل يجب عليه، أو طلب في ذلك أكثر من عوض المثل‏.‏ ومعلوم أن الشيء إذا رغب الناس في المزايدة فيه‏:‏ فإذا كان صاحبه قد بذله كما جرت به العادة ولكن الناس تزايدوا فيه فهنا لا يسعر عليهم والمدينة كما ذكرنا إنما كان الطعام الذي يباع فيها غالبًا من الجلب، وقد يباع فيها شيء يزرع فيها، وإنما كان يزرع فيها الشعير، فلم يكن البائعون ولا المشترون ناسًا معينين، ولم يكن هناك أحد يحتاج الناس إلى عينه أو إلى ماله، ليجبر على عمل أو على بيع بل المسلمون كلهم من جنس واحد كلهم يجاهد في سبيل الله ولم يكن من المسلمين البالغين القادرين على الجهاد إلا من يخرج في الغزو وكل منهم يغزو بنفسه وماله‏:‏ أو بما يعطاه من الصدقات أو الفيء، أو ما يجهزه به غيره وكان إكراه البائعين على أن لا يبيعوا سلعهم إلا بثمن معين إكراها بغير حق وإذا لم يكن يجوز إكراههم على أصل البيع فإكراههم على تقدير الثمن كذلك لا يجوز‏.‏

وأما من تعين عليه أن يبيع فكالذي كان النبي صلى الله عليه وسلم قدر له الثمن الذي يبيع به ويسعر عليه كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏من أعتق شركًا له في عبد وكان له من المال ما يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة عدل لا وكس ولا شطط، فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد‏)‏ فهذا لما وجب عليه أن يملك شريكه عتق نصيبه الذي لم يعتقه ليكمل الحرية في العبد قدر عوضه بأن يقوم جميع العبد قيمة عدل لا وكس ولا شطط، ويعطي قسطه من القسمة، فإن حق الشريك في نصف القيمة لا في قيمة النصف عند جماهير العلماء‏:‏ كمالك وأبي حنيفة وأحمد، ولهذا قال هؤلاء‏:‏ كل ما لا يمكن قسمه فإنه يباع ويقسم ثمنه إذا طلب أحد الشركاء ذلك، ويجبر الممتنع على البيع وحكى بعض المالكية ذلك إجماعا، لأن حق الشريك في نصف القيمة كما دل عليه هذا الحديث الصحيح ولا يمكن إعطاؤه ذلك إلا ببيع الجميع فإذا كان الشارع يوجب إخراج الشيء من ملك مالكه بعوض المثل لحاجة الشريك إلى إعتاق ذلك، وليس للمالك المطالبة بالزيادة على نصف القيمة‏:‏ فكيف بمن كانت حاجته أعظم من الحاجة إلى إعتاق ذلك النصيب‏؟‏ مثل حاجة المضطر إلى الطعام واللباس وغير ذلك‏.‏ وهذا الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من تقويم الجميع بقيمة المثل هو حقيقة التسعير‏.‏ وكذلك يجوز للشريك أن ينزع النصف المشفوع من يد المشتري بمثل الثمن الذي اشتراه به، لا بزيادة، للتخلص من ضرر المشاركة والمقاسمة وهذا ثابت بالسنة المستفيضة وإجماع العلماء وهذا إلزام له بأن يعطيه ذلك الثمن لا بزيادة، لأجل تحصيل مصلحة التكميل لواحد‏:‏ فكيف بما هو أعظم من ذلك ولم يكن له أن يبيعه للشريك بما شاء‏؟‏ بل ليس له أن يطلب من الشريك زيادة على الثمن الذي حصل له به وهذا في الحقيقة من نوع التولية، فإن التولية‏:‏ أن يعطي المشتري السلعة لغيره بمثل الثمن الذي اشتراها به وهذا أبلغ من البيع بثمن المثل، ومع هذا فلا يجبر المشتري على أن يبيعه لأجنبي غير الشريك إلا بما شاء، إذ لا حاجة بذاك إلى شرائه كحاجة الشريك‏.‏ فأما إذا قدر أن قومًا اضطروا إلى سكنى في بيت إنسان إذا لم يجدوا مكانًا يأوون إليه إلا ذلك البيت فعليه أن يسكنهم‏.‏ وكذلك لو احتاجوا إلى أن يعيرهم ثيابًا يستدفئون بها من البرد، أو إلى آلات يطبخون بها، أو يبنون أو يسقون‏:‏ يبذل هذا مجانا‏.‏ وإذا احتاجوا إلى أن يعيرهم دلوا يستقون به، أو قدرًا يطبخون فيها، أو فأسًا يحفرون به‏:‏ فهل عليه بذله بأجرة المثل لا بزيادة‏؟‏ فيه قولان للعلماء في مذهب أحمد وغيره‏.‏ والصحيح وجوب بذل ذلك مجانًا إذا كان صاحبها مستغنيا عن تلك المنفعة وعوضها، كما دل عليه الكتاب والسنة قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ‏}‏ ‏[‏الماعون‏:‏ 4‏]‏ ‏{‏الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ‏}‏ ‏[‏الماعون‏:‏ 5‏]‏ ‏{‏الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ‏}‏ ‏[‏الماعون‏:‏ 6‏]‏ ‏{‏وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ‏}‏ ‏[‏الماعون‏:‏ 7‏]‏ وفي السنن عن ابن مسعود قال‏:‏ كنا نعد ‏(‏الماعون عارية الدلو والقدر والفأس‏.‏ وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما ذكر الخيل قال‏:‏ ‏(‏هي ما لرجل أجر ولرجل ستر وعلى رجل وزر‏.‏ فأما الذي هي له أجر فرجل ربطها تغنيًا وتعففًا، ولم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها‏)‏ وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏من حق الإبل إعارة دلوها وإضراب فحلها‏)‏ وثبت عنه صلى الله عليه وسلم ‏(‏أنه نهى عن عسب الفحل‏)‏ وفي الصحيحين عنه أنه قال‏:‏ ‏(‏لا يمنعن جار جاره أن يغرز خشبة في جداره‏)‏ وإيجاب بذل هذه المنفعة مذهب أحمد وغيره‏.‏

ولو احتاج إلى إجراء ماء في أرض غيره من غير ضرر بصاحب الأرض‏:‏ فهل يجبر‏؟‏ على قولين للعلماء هما روايتان عن أحمد والأخبار بذلك مأثورة عن عمر بن الخطاب قال للمهنع‏:‏ والله لنجرينها ولو على بطنك‏.‏

ومذهب غير واحد من الصحابة والتابعين‏:‏ أن زكاة الحلي عاريته‏.‏ وهو أحد الوجهين في مذهب أحمد وغيره‏.‏ والمنافع التي يجب بذلها نوعان‏:‏ منها ما هو حق المال، كما ذكره في الخيل والإبل وعارية الحلي‏.‏ ومنها ما يجب لحاجة الناس‏.‏ وأيضًا فإن بذل منافع البدن يجب عند الحاجة كما يجب تعليم العلم، وإفتاء الناس، وأداء الشهادة، والحكم بينهم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد، وغير ذلك من منافع الأبدان، فلا يمنع وجوب بذل منافع الأموال للمحتاج وقد قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 282‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 282‏]‏‏.‏ وللفقهاء في أخذ الجعل على الشهادة أربعة أقوال، هي أربعة أوجه في مذهب أحمد وغيره‏:‏ أحدها‏:‏ أنه لا يجوز مطلقا‏.‏ والثاني لا يجوز إلا عند الحاجة‏.‏ والثالث يجوز إلا أن يتعين عليه‏.‏ والرابع يجوز‏.‏ فإن أخذ أجرًا عند العمل لم يأخذ عند الأداء‏.‏ وهذه المسائل لبسطها مواضع أخر‏.‏ والمقصود هنا‏:‏ أنه إذا كانت السنة قد مضت في مواضع بأن على المالك أن يبيع ماله بثمن مقدر‏:‏ إما بثمن المثل وإما بالثمن الذي اشتراه به‏:‏ لم يحرم مطلقًا تقدير الثمن‏.‏ ثم إن ما قدر به النبي صلى الله عليه وسلم في شراء نصيب شريك المعتق هو لأجل تكميل الحرية، وذلك حق الله وما احتاج إليه الناس حاجة عامة فالحق فيه لله، ولهذا يجعل العلماء هذه حقوقًا لله تعالى وحدودًا لله، بخلاف حقوق الآدميين وحدودهم وذلك مثل حقوق المساجد ومال الفيء، والصدقات والوقف على أهل الحاجات والمنافع العامة ونحو ذلك ومثل حد المحاربة والسرقة والزنا وشرب الخمر، فإن الذي يقتل شخصًا لأجل المال يقتل حتمًا باتفاق العلماء، وليس لورثة المقتول العفو عنه، بخلاف من يقتل شخصًا لغرض خاص، مثل خصومة بينهما، فإن هذا حق لأولياء المقتول، إن أحبوا قتلوا وإن أحبوا عفوا باتفاق المسلمين‏.‏ وحاجة المسلمين إلى الطعام واللباس وغير ذلك من مصلحة عامة‏:‏ ليس الحق فيها لواحد بعينه، فتقدير الثمن فيها بثمن المثل على من وجب عليه البيع أولى من تقديره لتكميل الحرية، لكن تكميل الحرية وجب على الشريك المعتق، فلو لم يقدر فيها الثمن لتضرر بطلب الشريك الآخر ما شاء وهنا عموم الناس عليهم شراء الطعام والثياب لأنفسهم، فلو مكن من يحتاج إلى سلعته أن لا يبيع إلا بما شاء لكان ضرر الناس أعظم‏.‏ ولهذا قال الفقهاء‏:‏ إذا اضطر الإنسان إلى طعام الغير كان عليه بذله له بثمن المثل فيجب الفرق بين من عليه أن يبيع وبين من ليس عليه أن يبيع وأبعد الأئمة عن إيجاب المعاوضة وتقديرها هو الشافعي، ومع هذا فإنه يوجب على من اضطر الإنسان إلى طعامه أن يعطيه بثمن المثل‏.‏ وتنازع أصحابه في جواز التسعير للناس إذا كان بالناس حاجة ولهم فيه وجهان‏.‏ وقال أصحاب أبي حنيفة‏:‏ لا ينبغي للسلطان أن يسعر على الناس إلا إذا تعلق به حق ضرر العامة فإذا رفع إلى القاضي أمر المحتكر ببيع ما فضل عن قوته وقوت أهله على اعتبار السعر في ذلك فنهاه عن الاحتكار فإن رفع التاجر فيه إليه ثانيا حبسه وعزره على مقتضى رأيه زجرًا له أو دفعًا للضرر عن الناس فإن كان أرباب الطعام يتعدون ويتجاوزون القيمة تعديا فاحشًا وعجز القاضي عن صيانة حقوق المسلمين إلا بالتسعير‏:‏ سعر حينئذ بمشورة أهل الرأي والبصيرة‏.‏

وإذا تعدى أحد بعد ما فعل ذلك أجبره القاضي‏.‏ وهذا على قول أبي حنيفة ظاهر حيث لا يرى الحجر على الحر وكذا عندهما أي عند أبي يوسف ومحمد، إلا أن يكون الحجر على قوم معينين‏.‏ ومن باع منهم بما قدره الإمام صح، لأنه غير مكره عليه‏.‏ وهل يبيع القاضي على المحتكر طعامه من غير رضاه‏؟‏ قيل‏:‏ هو ‏[‏على‏]‏ الاختلاف المعروف في مال المديون‏.‏ وقيل‏:‏ يبيع هاهنا بالاتفاق، لأن أبا حنيفة يرى الحجر لدفع الضرر العام‏.‏ والسعر لما غلا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وطلبوا منه التسعير فامتنع لم يذكر أنه كان هناك من عنده طعام امتنع من بيعه، بل عامة من كانوا يبيعون الطعام إنما هم جالبون يبيعونه إذا هبطوا السوق، لكن نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيع حاضر لباد‏:‏ نهاه أن يكون له سمسار وقال‏:‏ ‏(‏دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض‏)‏ وهذا ثابت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه فنهى الحاضر العالم بالسعر أن يتوكل للبادي الجالب للسلعة، لأنه إذا توكل له مع خبرته بحاجة الناس إليه أغلى الثمن على المشتري، فنهاه عن التوكل له - مع أن جنس الوكالة مباح - لما في ذلك من زيادة السعر على الناس‏.‏ ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تلقي الجلب وهذا أيضًا ثابت في الصحيح من غير وجه وجعل للبائع إذا هبط إلى السوق الخيار، ولهذا كان أكثر الفقهاء على أنه نهى عن ذلك لما فيه من ضرر البائع بدون ثمن المثل وغبنه فأثبت النبي صلى الله عليه وسلم الخيار لهذا البائع‏.‏ وهل هذا الخيار فيه ثابت مطلقًا أو إذا غبن‏؟‏ قولان للعلماء هما روايتان عن أحمد‏.‏ أظهرهما أنه إنما يثبت له الخيار إذا غبن والثاني يثبت له الخيار مطلقًا وهو ظاهر مذهب الشافعي‏.‏ وقال طائفة‏:‏ بل نهى عن ذلك لما فيه من ضرر المشتري إذا تلقاه المتلقي فاشتراه ثم باعه‏.‏ وفي الجملة فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن البيع والشراء الذي جنسه حلال حتى يعلم البائع بالسعر وهو ثمن المثل ويعلم المشتري بالسلعة‏.‏ وصاحب القياس الفاسد يقول‏:‏ للمشتري أن يشتري حيث شاء وقد اشترى من البائع كما يقول‏:‏ وللبادي أن يوكل الحاضر‏.‏ ولكن الشارع رأى المصلحة العامة، فإن الجالب إذا لم يعرف السعر كان جاهلًا بثمن المثل فيكون المشتري غارًا له، ولهذا ألحق مالك وأحمد بذلك كل مسترسل‏.‏ والمسترسل‏:‏ الذي لا يماكس والجاهل بقيمة المبيع، فإنه بمنزلة الجالبين الجاهلين بالسعر فتبين أنه يجب على الإنسان أن لا يبيع مثل هؤلاء إلا بالسعر المعروف وهو ثمن المثل، وإن لم يكن هؤلاء محتاجين إلى الابتياع من ذلك البائع، لكن لكونهم جاهلين بالقيمة أو مسلمين إلى البائع غير مماكسين له والبيع يعتبر فيه الرضا والرضا يتبع العلم ومن لم يعلم أنه غبن فقد يرضى وقد لا يرضى فإذا علم أنه غبن ورضي فلا بأس بذلك وإذا لم يرض بثمن المثل لم يلتفت إلى سخطه‏.‏

ولهذا أثبت الشارع الخيار لمن لم يعلم بالعيب أو التدليس، فإن الأصل في البيع الصحة وأن يكون الباطن كالظاهر‏.‏ فإذا اشترى على ذلك فما عرف رضاه إلا بذلك فإذا تبين أن في السلعة غشًا أو عيبًا فهو كما لو وصفها بصفة وتبينت بخلافها فقد يرضى وقد لا يرضى فإن رضي وإلا فسخ البيع‏.‏ وفي الصحيحين عن حكيم بن حزام عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقًا وبينًا بورك لهما في بيعهما وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما‏)‏‏.‏ وفي السنن ‏(‏أن رجلًا كانت له شجرة في أرض غيره، وكان صاحب الأرض يتضرر بدخول صاحب الشجرة فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأمره أن يقبل منه بدلها أو يتبرع له بها فلم يفعل فأذن لصاحب الأرض في قلعها وقال لصاحب الشجرة‏:‏ إنما أنت مضار‏)‏‏.‏

فهنا أوجب عليه إذا لم يتبرع بها أن يبيعها، فدل على وجوب البيع عند حاجة المشتري وأين حاجة هذا من حاجة عموم الناس إلى الطعام‏؟‏ ونظير هؤلاء الذين يتجرون في الطعام بالطحن والخبز‏.‏ ونظير هؤلاء صاحب الخان والقيسارية والحمام إذا احتاج الناس إلى الانتفاع بذلك وهو إنما ضمنها ليتجر فيها فلو امتنع من إدخال الناس إلا بما شاء وهم يحتاجون لم يمكن من ذلك وألزم ببذل ذلك بأجرة المثل، كما يلزم الذي يشتري الحنطة ويطحنها ليتجر فيها والذي يشتري الدقيق ويخبزه ليتجر فيه مع حاجة الناس إلى ما عنده، بل إلزامه ببيع ذلك بثمن المثل أولى وأحرى بل إذا امتنع من صنعة الخبز والطحن حتى يتضرر الناس بذلك ألزم بصنعتها كما تقدم وإذا كانت حاجة الناس تندفع إذا عملوا ما يكفي الناس بحيث يشتري إذ ذاك بالثمن المعروف لم يحتج إلى تسعير‏.‏ وأما إذا كانت حاجة الناس لا تندفع إلا بالتسعير العادل سعر عليهم تسعير عدل، لا وكس ولا شطط‏.‏